Upgrade to Pro

Belgium
  • من عامل بسيط تحت شمس الدوحة… إلى إدارة مشروع ضخم: قصة رجل صنع نفسه في قطر

    لم يكن “فارس” يتوقع يومًا أن تضعه الأقدار في بلد مثل قطر.
    كان يعيش حياة بسيطة في بلده، يعمل في ورشة حدادة صغيرة، يده مشقّقة من كثرة العمل، وعيناه تحملان تعَب السنين.
    لكن داخل قلبه… كان هناك شيء آخر:
    رغبة في أن يصبح شيئًا أكبر مما يسمح به واقعه.

    حين حصل على فرصة السفر إلى قطر، لم يتردد كثيرًا، رغم الخوف…
    رغم دموع والدته ورغم نظرات والده القلقة…
    قال لنفسه:
    “سأذهب… لأجلهم أولاً، ثم لأجلي.”

    وركب الطائرة وهو يشعر أن كل حياته أصبحت معلّقة بين جناحيها.

    عندما وصل “فارس” إلى المطار، فوجئ بالحرارة العالية التي ضربت وجهه فور خروجه.
    كانت الدوحة في شهر أغسطس…
    شمس لا ترحم، ورطوبة تختلط بالهواء حتى تكاد تشعر أنك تستنشق بخارًا ساخنًا.

    لكن رغم ذلك، بقيت داخله شرارة تقول:
    “لقد بدأت الرحلة… لا تتراجع الآن.”

    استقبله مندوب الشركة، ونقله إلى سكن العمال خارج المدينة.
    غرفة صغيرة فيها ستة أشخاص، أسِرّة حديدية متراصّة، خزانة واحدة لكل شخص.

    ليست حياة مريحة…
    لكنها كانت البداية الوحيدة المتاحة.

    أول عمل… وأول صدمة

    بدأ عمله في إحدى شركات البناء.
    كانت مهمته نقل مواد البناء تحت الشمس، ساعات طويلة تتجاوز أحيانًا 10 ساعات، أحيانًا دون فترات راحة كافية.

    في الأيام الأولى، كان يشعر بأنه ينهار.
    العرق يغطي جسده كله، وملابسه تلتصق به من شدة الرطوبة، وحرارة الجو تجعله يلهث وكأنه يجري بلا توقف.

    رجلاه كانت تؤلمانه، ويداه تنزفان، لكنه لم يكن يستطيع أن يشتكي.
    فالعامل الذي يشتكي… يخسر عمله بسهولة.

    ذات ليلة، حين عاد إلى السكن، جلس على سريره الحديدي، وأسند رأسه إلى الجدار، وقال في نفسه:

    “هل كنت مخطئًا؟
    هل هذه هي الحياة التي حلمت بها؟”

    ثم تذكّر وجه أمه…
    فمَحى السؤال، وقال:
    “سأصبر… لأجلها.”

    بعد شهرين، حدث شيء غيّر مسار حياته.

    كان مدير المشروع—a مهندس عربي محترم—يمر بين العمال ليتفقد العمل.
    رأى “فارس” يعمل بصمت، دون شكوى، ينفذ كل المهام بإتقان رغم قسوتها.

    اقترب منه وقال:
    “أراك تعمل بجد… هل تعرف القراءة والكتابة؟”

    رد فارس بتواضع:
    “نعم، وأصلا… عندي شهادة ثانوية.”

    فقال المهندس:
    “لماذا لا تساعدنا في المستودع بدل العمل تحت الشمس؟ نحتاج أحدًا يجيد التنظيم.”

    تلك الكلمات كانت بالنسبة له طوق نجاة.
    كان مستعدًا لفعل أي شيء يبعده عن حرارة النهار.

    في اليوم التالي، انتقل إلى المستودع.

    داخل المستودع: بداية التغيير الحقيقي

    اكتشف فارس أنه يمتلك مهارة لم ينتبه لها من قبل:
    التنظيم.

    خلال أسابيع، نظّم المستودع بشكل لم يره المهندس من قبل.
    صناديق مرقمة، معدات مرتبة، سجلات مكتوبة بدقة.

    وقال له المهندس ذات يوم:
    “لو واصلت بهذا الشكل… ستصبح مشرفًا قريبًا.”

    ورغم أن الكلمة كانت تبدو بعيدة، إلا أنها وقعت في قلبه مثل وعد.

    كان فارس يعود إلى سكنه وهو يبحث في هاتفه عن فيديوهات تعليمية.
    بدأ يتعلم Excel، وتعلم كيف ينشئ جداول، كيف يسجل المخزون، كيف يحسب الطلبات.

    شيئًا فشيئًا، صار مسؤولًا عن المستودع، ثم عن طلبية المعدات الشهرية.

    كان يتقدم خطوة خطوة…
    ببطء…
    لكن بثبات.

    وحين جاءت أول زيادة في راتبه، اتصل بوالدته وهو يبكي من الفرح.
    قال لها:
    “يا ماما… الحمد لله بدأ الخير.”
    وردت عليه:
    “يا وليدي… ربي يفتح عليك… كنت دايمًا تستاهل.”

    اللحظة التي غيرت كل شيء: إدارة المخازن

    بعد سنتين، كان المشروع يدخل مرحلة توسع كبيرة.
    الشركة كانت بحاجة إلى مشرف مخازن جديد…
    والمرشحون كثيرون.

    لم يكن فارس يتوقع أن يتم اختياره، لكن المهندس قال له:
    “لا يوجد شخص يعرف المستودع مثلك… ولا يوجد شخص أثق فيه مثلك.”

    واستلم منصب مشرف المخازن رسميًا.

    ذلك اليوم كان أعظم يوم في حياته.

    لم يعد مجرد عامل بسيط تحت الشمس…
    أصبح مسؤولًا…
    يُسأل عن القرارات…
    ويملك مكتبًا صغيرًا…
    ومفتاحًا خاصًا به.

    من المراقبة إلى الإدارة: كيف يصبح الإنسان نسخة أقوى

    وحين بدأ المشروع الجديد، كان يحتاج إلى شخص يدير سلسلة التوريد.
    شخص ينظم، يخطط، يراجع الفواتير، يتعامل مع الموردين.

    تردد المدير قليلاً لأنه منصب مهم…
    لكنه في النهاية قال:
    “فارس… أنت الشخص المناسب.”

    وبدأت المرحلة الجديدة.

    كان يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا:
    كيف يطلب المواد، كيف يتعامل مع الشركات، كيف يفاوض الأسعار، كيف يحفظ المستندات.
    وكان يقضي ساعات إضافية ليس لأنها مطلوبة…
    بل لأنه كان يشعر أن هذه الخطوات تصنع حياته الجديدة.

    وفي نهاية السنة، اقترح المهندس ترقيته إلى مدير المشروع اللوجستي.

    نعم…
    من عامل بسيط تحت الشمس…
    إلى مدير قسم كامل.

    اليوم: فارس يقف في مكتبه ويبتسم

    بعد خمس سنوات في قطر، أصبح فارس شخصًا مختلفًا كليًا:

    يسكن في شقة جميلة في منطقة الوكرة.

    يملك سيارة حديثة.

    يرسل مالًا لوالدته كل شهر.

    بنى بيتًا صغيرًا في بلده.

    يتحدث الإنجليزية بطلاقة.

    ويحترمه كل من في الشركة.

    وفي كل مساء، عندما يقف أمام نافذة شقته، وينظر إلى أضواء الدوحة التي تلمع كأنها حلم…
    يبتسم.

    لأنه يعرف أن الطريق لم يكن سهلًا…
    كان مليئًا بالعرق، والتعب، والدموع…
    لكنه طريق صنع منه رجلًا آخر…
    رجلًا لم يكن يتخيل يومًا أنه قادر على الوصول إلى ما وصل إليه.

    وفي كل مرة يعود من العمل، يفتح دفترًا صغيرًا كتبه منذ أول يوم جاء فيه إلى قطر.
    يقرأ أول سطر:
    “سأصبر… مهما كان الطريق صعبًا.”

    ثم ينظر إلى نفسه اليوم…
    ويقول:
    “لقد صبرت… واستحققت النهاية.”
    من عامل بسيط تحت شمس الدوحة… إلى إدارة مشروع ضخم: قصة رجل صنع نفسه في قطر لم يكن “فارس” يتوقع يومًا أن تضعه الأقدار في بلد مثل قطر. كان يعيش حياة بسيطة في بلده، يعمل في ورشة حدادة صغيرة، يده مشقّقة من كثرة العمل، وعيناه تحملان تعَب السنين. لكن داخل قلبه… كان هناك شيء آخر: رغبة في أن يصبح شيئًا أكبر مما يسمح به واقعه. حين حصل على فرصة السفر إلى قطر، لم يتردد كثيرًا، رغم الخوف… رغم دموع والدته ورغم نظرات والده القلقة… قال لنفسه: “سأذهب… لأجلهم أولاً، ثم لأجلي.” وركب الطائرة وهو يشعر أن كل حياته أصبحت معلّقة بين جناحيها. عندما وصل “فارس” إلى المطار، فوجئ بالحرارة العالية التي ضربت وجهه فور خروجه. كانت الدوحة في شهر أغسطس… شمس لا ترحم، ورطوبة تختلط بالهواء حتى تكاد تشعر أنك تستنشق بخارًا ساخنًا. لكن رغم ذلك، بقيت داخله شرارة تقول: “لقد بدأت الرحلة… لا تتراجع الآن.” استقبله مندوب الشركة، ونقله إلى سكن العمال خارج المدينة. غرفة صغيرة فيها ستة أشخاص، أسِرّة حديدية متراصّة، خزانة واحدة لكل شخص. ليست حياة مريحة… لكنها كانت البداية الوحيدة المتاحة. أول عمل… وأول صدمة بدأ عمله في إحدى شركات البناء. كانت مهمته نقل مواد البناء تحت الشمس، ساعات طويلة تتجاوز أحيانًا 10 ساعات، أحيانًا دون فترات راحة كافية. في الأيام الأولى، كان يشعر بأنه ينهار. العرق يغطي جسده كله، وملابسه تلتصق به من شدة الرطوبة، وحرارة الجو تجعله يلهث وكأنه يجري بلا توقف. رجلاه كانت تؤلمانه، ويداه تنزفان، لكنه لم يكن يستطيع أن يشتكي. فالعامل الذي يشتكي… يخسر عمله بسهولة. ذات ليلة، حين عاد إلى السكن، جلس على سريره الحديدي، وأسند رأسه إلى الجدار، وقال في نفسه: “هل كنت مخطئًا؟ هل هذه هي الحياة التي حلمت بها؟” ثم تذكّر وجه أمه… فمَحى السؤال، وقال: “سأصبر… لأجلها.” بعد شهرين، حدث شيء غيّر مسار حياته. كان مدير المشروع—a مهندس عربي محترم—يمر بين العمال ليتفقد العمل. رأى “فارس” يعمل بصمت، دون شكوى، ينفذ كل المهام بإتقان رغم قسوتها. اقترب منه وقال: “أراك تعمل بجد… هل تعرف القراءة والكتابة؟” رد فارس بتواضع: “نعم، وأصلا… عندي شهادة ثانوية.” فقال المهندس: “لماذا لا تساعدنا في المستودع بدل العمل تحت الشمس؟ نحتاج أحدًا يجيد التنظيم.” تلك الكلمات كانت بالنسبة له طوق نجاة. كان مستعدًا لفعل أي شيء يبعده عن حرارة النهار. في اليوم التالي، انتقل إلى المستودع. داخل المستودع: بداية التغيير الحقيقي اكتشف فارس أنه يمتلك مهارة لم ينتبه لها من قبل: التنظيم. خلال أسابيع، نظّم المستودع بشكل لم يره المهندس من قبل. صناديق مرقمة، معدات مرتبة، سجلات مكتوبة بدقة. وقال له المهندس ذات يوم: “لو واصلت بهذا الشكل… ستصبح مشرفًا قريبًا.” ورغم أن الكلمة كانت تبدو بعيدة، إلا أنها وقعت في قلبه مثل وعد. كان فارس يعود إلى سكنه وهو يبحث في هاتفه عن فيديوهات تعليمية. بدأ يتعلم Excel، وتعلم كيف ينشئ جداول، كيف يسجل المخزون، كيف يحسب الطلبات. شيئًا فشيئًا، صار مسؤولًا عن المستودع، ثم عن طلبية المعدات الشهرية. كان يتقدم خطوة خطوة… ببطء… لكن بثبات. وحين جاءت أول زيادة في راتبه، اتصل بوالدته وهو يبكي من الفرح. قال لها: “يا ماما… الحمد لله بدأ الخير.” وردت عليه: “يا وليدي… ربي يفتح عليك… كنت دايمًا تستاهل.” اللحظة التي غيرت كل شيء: إدارة المخازن بعد سنتين، كان المشروع يدخل مرحلة توسع كبيرة. الشركة كانت بحاجة إلى مشرف مخازن جديد… والمرشحون كثيرون. لم يكن فارس يتوقع أن يتم اختياره، لكن المهندس قال له: “لا يوجد شخص يعرف المستودع مثلك… ولا يوجد شخص أثق فيه مثلك.” واستلم منصب مشرف المخازن رسميًا. ذلك اليوم كان أعظم يوم في حياته. لم يعد مجرد عامل بسيط تحت الشمس… أصبح مسؤولًا… يُسأل عن القرارات… ويملك مكتبًا صغيرًا… ومفتاحًا خاصًا به. من المراقبة إلى الإدارة: كيف يصبح الإنسان نسخة أقوى وحين بدأ المشروع الجديد، كان يحتاج إلى شخص يدير سلسلة التوريد. شخص ينظم، يخطط، يراجع الفواتير، يتعامل مع الموردين. تردد المدير قليلاً لأنه منصب مهم… لكنه في النهاية قال: “فارس… أنت الشخص المناسب.” وبدأت المرحلة الجديدة. كان يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يطلب المواد، كيف يتعامل مع الشركات، كيف يفاوض الأسعار، كيف يحفظ المستندات. وكان يقضي ساعات إضافية ليس لأنها مطلوبة… بل لأنه كان يشعر أن هذه الخطوات تصنع حياته الجديدة. وفي نهاية السنة، اقترح المهندس ترقيته إلى مدير المشروع اللوجستي. نعم… من عامل بسيط تحت الشمس… إلى مدير قسم كامل. اليوم: فارس يقف في مكتبه ويبتسم بعد خمس سنوات في قطر، أصبح فارس شخصًا مختلفًا كليًا: يسكن في شقة جميلة في منطقة الوكرة. يملك سيارة حديثة. يرسل مالًا لوالدته كل شهر. بنى بيتًا صغيرًا في بلده. يتحدث الإنجليزية بطلاقة. ويحترمه كل من في الشركة. وفي كل مساء، عندما يقف أمام نافذة شقته، وينظر إلى أضواء الدوحة التي تلمع كأنها حلم… يبتسم. لأنه يعرف أن الطريق لم يكن سهلًا… كان مليئًا بالعرق، والتعب، والدموع… لكنه طريق صنع منه رجلًا آخر… رجلًا لم يكن يتخيل يومًا أنه قادر على الوصول إلى ما وصل إليه. وفي كل مرة يعود من العمل، يفتح دفترًا صغيرًا كتبه منذ أول يوم جاء فيه إلى قطر. يقرأ أول سطر: “سأصبر… مهما كان الطريق صعبًا.” ثم ينظر إلى نفسه اليوم… ويقول: “لقد صبرت… واستحققت النهاية.”
    Love
    1
    ·192 Views ·0 Reviews
  • Love
    1
    ·154 Views ·0 Reviews
More Stories
Mogtarib https://mogtarib.com