Upgrade to Pro

الغربة في أوروبا، اللغة، العنصرية الخفية، والعمل تحت الضغط، ثم النهوض من جديد.


حين نزل “عادل” من الطائرة في مطار شارل ديغول، لم يكن يعرف أن اللحظة التي وضع فيها قدمه على أرض فرنسا ستكون لحظة ميلاد جديدة…
ميلاد رجل آخر، لا يشبه الشاب الذي جاء من بلاد بعيدة، حاملاً معه حقيبة صغيرة وقلبًا مليئًا بالخوف.

كانت السماء رمادية، والطريق إلى المدينة طويلًا، والمطر يتساقط بنعومة كأن باريس ترحب به بطريقة خاصة…
لكن الترحيب لم يدم طويلًا.

بمجرد أن وصل إلى الحي الذي سيقيم فيه، شعر بأنه غريب، غريب جدًا.
الأصوات مختلفة، الوجوه جامدة، والمباني القديمة تطلّ عليه بعيون باردة لا تعرفه.

لكن رغم كل هذا…
كان هناك شيء داخلي يدفعه لبدء حياة جديدة، مهما كان الثمن.

البداية الصعبة: لغة لا ترحم

في الأيام الأولى، واجه عادل أصعب ما قد يواجهه مغترب في فرنسا:
اللغة الفرنسية.

لم يكن يتقن منها إلا كلمات قليلة:
bonjour
merci
au revoir

لكن الحياة لا تُدار بهذه الكلمات.

كان يدخل محلًا ليسأل عن شيء بسيط، فيجد نفسه عاجزًا عن الشرح.
كان الناس ينظرون إليه باستغراب، وأحيانًا ببرود…
كأنه لا ينتمي لهذا المكان.

ذات مرة، وهو يحاول فهم موظفة في محطة المترو، قالت له بحدة:
“Parlez français s'il vous plaît!”
"تحدث بالفرنسية من فضلك!"

كانت الجملة بسيطة…
لكن وقعها على قلبه كان كصفعة.

عاد ليلًا إلى غرفته الصغيرة في ضاحية باريس، جلس على سريره، وفتح هاتفه، وكتب:
"تعلم الفرنسية من الصفر".

وحين نام تلك الليلة…
كان قد اتخذ أول قرار مهم في رحلته.

بعد أسابيع من البحث عن عمل، حصل على وظيفة في مطعم صغير.
كان دوره غسل الأطباق وتنظيف المكان.

لم يكن العمل مشكلة…
لكن المشكلة كانت في المعاملة.

كان البعض ينظر إليه وكأنه لا يفهم شيئًا، وكأنه مجرد مهاجر جاء ليقوم بأعمال لا يريدها غيره.
ومع ذلك…
كان يبتسم، ويعمل، ولا يرد الإساءة بالإساءة.

في إحدى الليالي، كان يغسل الصحون والماء البارد يؤلم يديه، وفجأة قال أحد الطهاة بسخرية:
“إن لم تتعلم الفرنسية… ستبقى هنا طول حياتك.”

وقد كانت الجملة مؤلمة لأنها…
كانت حقيقية.

وفي تلك اللحظة، شعر بأن عليه أن يتحرك…
وإلا سيبقى عالقًا في نفس الدائرة إلى الأبد.

دروس الليل… وصبر الأيام

بدأ عادل يحضر دروس اللغة الفرنسية في مركز للمهاجرين.
كان يعمل من 8 صباحًا إلى 5 مساءً…
ويحضر الحصص من 6 إلى 9 ليلًا.

كان يعود منهكًا، لكنه لا يستسلم.
كان يشعر كل يوم أنه يتغير، وأنه يقترب من شيء…
شيء يشبه الضوء في نهاية نفق طويل.

بعد أشهر، أصبح يستطيع التحدث بجمل كاملة، وفهم كثير من العبارات اليومية.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت حياته بالكامل:

المسؤول عن المطعم قال له:
“هل ترغب أن تعمل كنادل؟ تحتاج لغة قوية… لكنك بدأت تتحسن.”

وافق فورًا.

كان النادل هو الوجه أمام الزبائن، وكان يحتاج لغة وجرأة.
وفي اليوم الأول، كان صوته يرتجف، ويداه ترتجفان أيضًا، لكنه استمر.

ومع مرور الأيام…
بدأ يبرع في عمله.

بعد سنة من العمل كنادل، أصبح عادل معروفًا بين رواد المطعم.
كان يتعامل مع الجميع بأدب وابتسامة.
وفي يوم من الأيام، دخل رجل أنيق، طلب قهوته، ثم سأل عادل عن لهجته.

أجاب:
“أنا من بلد عربي، جئت إلى هنا لأصنع حياة جديدة.”

ابتسم الرجل وقال:
“تتكلم الفرنسية جيدًا… هل فكرت بالعمل في مجال أفضل؟”

أعطاه بطاقة عمل.
كان الرجل مديرًا في شركة لخدمات العملاء.

وبعد أسبوع، كان عادل يجلس في مقابلة عمل في مكتب أنيق في قلب باريس.
وهو يدخله، شعر أن كل سنوات التعب جاءت لتوصله إلى هذا الباب.

وبعد المقابلة، قال له المدير:
“نحن معجبون بإصرارك… ستكون جزءًا من الفريق.”

خرج عادل من المكتب، وقف وسط شارع واسع، تنفس الهواء الباريسي دفعة واحدة، وقال في نفسه:
“لقد اقتربت من الحلم.”

مرحلة جديدة… وهوية جديدة

بدأ يعمل في الشركة الجديدة، وكانت التجربة مختلفة تمامًا:
مكتب حديث، فريق متعدد الجنسيات، زملاء محترمون…
وبيئة تساعد على النمو.

ومع الأيام، أصبح يتقن الفرنسية أكثر، وبدأ يأخذ دورات عبر الإنترنت في التواصل وخدمة العملاء.

وفي خلال سنة…
تمت ترقيته.

وقف يومًا أمام زملائه في اجتماع رسمي، وهو يشرح مشروعًا جديدًا، وتذكر نفسه حين كان العامل الذي لا يستطيع فهم جملة واحدة بالفرنسية.

كاد يبكي…
ليس ضعفًا، بل امتنانًا.

امتنان لتعبه، لصبره، لكل الليالي التي قضاها يدرس على ضوء مصباح صغير.

المنزل الأول… ودموع الغربة

بعد ثلاث سنوات، استطاع استئجار شقة صغيرة وحده.
كانت شقة بسيطة، لكنها بالنسبة له كانت مثل قصر.

في يوم انتقاله، حين دخل الشقة وحيدًا، أغلق الباب، جلس على الأرض، وبكى.

كانت الدموع مزيجًا من:

فرح

تعب

خوف

انتصار

ونجاة

قال بصوت منخفض:
“لقد صنعت شيئًا من لا شيء.”

العودة إلى الوطن… ورؤية العالم بعيون جديدة

بعد أربع سنوات في فرنسا، قرر زيارة بلده لأول مرة.
حين رأى والدته عند باب البيت، سقط حضنًا في حضن، وبكى كما لم يبكِ من قبل.

كان يحمل هدايا بسيطة، لكنه كان يحمل أهم منها:
قصة…
حياة…
وشخصية جديدة.

ورأى الناس في عينيه شيئًا مختلفًا.
قوة…
نضج…
ثقافة…
وتجربة لا يملكها الكثير.

اليوم… عادل رجل آخر

اليوم يعمل عادل في شركة كبيرة في باريس، يتحدث الفرنسية بطلاقة، يسكن في شقة جميلة، ويساعد أسرته بكرم.

وفي كل يوم يمر، يتذكر تلك البدايات:
اللغة الصعبة، النظرات، التعب، الشك، والخوف.

لكنّه يقول دائمًا:
“فرنسا لم تكن سهلة… لكنها كانت عادلة.
أعطتني بقدر ما اجتهدت.”

وفي كل مساء، يقف أمام نافذته المطلة على برج إيفل البعيد، ويبتسم.

لأنه يعرف أنه لم ينجُ فقط…
بل انتصر.
الغربة في أوروبا، اللغة، العنصرية الخفية، والعمل تحت الضغط، ثم النهوض من جديد. حين نزل “عادل” من الطائرة في مطار شارل ديغول، لم يكن يعرف أن اللحظة التي وضع فيها قدمه على أرض فرنسا ستكون لحظة ميلاد جديدة… ميلاد رجل آخر، لا يشبه الشاب الذي جاء من بلاد بعيدة، حاملاً معه حقيبة صغيرة وقلبًا مليئًا بالخوف. كانت السماء رمادية، والطريق إلى المدينة طويلًا، والمطر يتساقط بنعومة كأن باريس ترحب به بطريقة خاصة… لكن الترحيب لم يدم طويلًا. بمجرد أن وصل إلى الحي الذي سيقيم فيه، شعر بأنه غريب، غريب جدًا. الأصوات مختلفة، الوجوه جامدة، والمباني القديمة تطلّ عليه بعيون باردة لا تعرفه. لكن رغم كل هذا… كان هناك شيء داخلي يدفعه لبدء حياة جديدة، مهما كان الثمن. البداية الصعبة: لغة لا ترحم في الأيام الأولى، واجه عادل أصعب ما قد يواجهه مغترب في فرنسا: اللغة الفرنسية. لم يكن يتقن منها إلا كلمات قليلة: bonjour merci au revoir لكن الحياة لا تُدار بهذه الكلمات. كان يدخل محلًا ليسأل عن شيء بسيط، فيجد نفسه عاجزًا عن الشرح. كان الناس ينظرون إليه باستغراب، وأحيانًا ببرود… كأنه لا ينتمي لهذا المكان. ذات مرة، وهو يحاول فهم موظفة في محطة المترو، قالت له بحدة: “Parlez français s'il vous plaît!” "تحدث بالفرنسية من فضلك!" كانت الجملة بسيطة… لكن وقعها على قلبه كان كصفعة. عاد ليلًا إلى غرفته الصغيرة في ضاحية باريس، جلس على سريره، وفتح هاتفه، وكتب: "تعلم الفرنسية من الصفر". وحين نام تلك الليلة… كان قد اتخذ أول قرار مهم في رحلته. بعد أسابيع من البحث عن عمل، حصل على وظيفة في مطعم صغير. كان دوره غسل الأطباق وتنظيف المكان. لم يكن العمل مشكلة… لكن المشكلة كانت في المعاملة. كان البعض ينظر إليه وكأنه لا يفهم شيئًا، وكأنه مجرد مهاجر جاء ليقوم بأعمال لا يريدها غيره. ومع ذلك… كان يبتسم، ويعمل، ولا يرد الإساءة بالإساءة. في إحدى الليالي، كان يغسل الصحون والماء البارد يؤلم يديه، وفجأة قال أحد الطهاة بسخرية: “إن لم تتعلم الفرنسية… ستبقى هنا طول حياتك.” وقد كانت الجملة مؤلمة لأنها… كانت حقيقية. وفي تلك اللحظة، شعر بأن عليه أن يتحرك… وإلا سيبقى عالقًا في نفس الدائرة إلى الأبد. دروس الليل… وصبر الأيام بدأ عادل يحضر دروس اللغة الفرنسية في مركز للمهاجرين. كان يعمل من 8 صباحًا إلى 5 مساءً… ويحضر الحصص من 6 إلى 9 ليلًا. كان يعود منهكًا، لكنه لا يستسلم. كان يشعر كل يوم أنه يتغير، وأنه يقترب من شيء… شيء يشبه الضوء في نهاية نفق طويل. بعد أشهر، أصبح يستطيع التحدث بجمل كاملة، وفهم كثير من العبارات اليومية. ثم جاءت اللحظة التي غيّرت حياته بالكامل: المسؤول عن المطعم قال له: “هل ترغب أن تعمل كنادل؟ تحتاج لغة قوية… لكنك بدأت تتحسن.” وافق فورًا. كان النادل هو الوجه أمام الزبائن، وكان يحتاج لغة وجرأة. وفي اليوم الأول، كان صوته يرتجف، ويداه ترتجفان أيضًا، لكنه استمر. ومع مرور الأيام… بدأ يبرع في عمله. بعد سنة من العمل كنادل، أصبح عادل معروفًا بين رواد المطعم. كان يتعامل مع الجميع بأدب وابتسامة. وفي يوم من الأيام، دخل رجل أنيق، طلب قهوته، ثم سأل عادل عن لهجته. أجاب: “أنا من بلد عربي، جئت إلى هنا لأصنع حياة جديدة.” ابتسم الرجل وقال: “تتكلم الفرنسية جيدًا… هل فكرت بالعمل في مجال أفضل؟” أعطاه بطاقة عمل. كان الرجل مديرًا في شركة لخدمات العملاء. وبعد أسبوع، كان عادل يجلس في مقابلة عمل في مكتب أنيق في قلب باريس. وهو يدخله، شعر أن كل سنوات التعب جاءت لتوصله إلى هذا الباب. وبعد المقابلة، قال له المدير: “نحن معجبون بإصرارك… ستكون جزءًا من الفريق.” خرج عادل من المكتب، وقف وسط شارع واسع، تنفس الهواء الباريسي دفعة واحدة، وقال في نفسه: “لقد اقتربت من الحلم.” مرحلة جديدة… وهوية جديدة بدأ يعمل في الشركة الجديدة، وكانت التجربة مختلفة تمامًا: مكتب حديث، فريق متعدد الجنسيات، زملاء محترمون… وبيئة تساعد على النمو. ومع الأيام، أصبح يتقن الفرنسية أكثر، وبدأ يأخذ دورات عبر الإنترنت في التواصل وخدمة العملاء. وفي خلال سنة… تمت ترقيته. وقف يومًا أمام زملائه في اجتماع رسمي، وهو يشرح مشروعًا جديدًا، وتذكر نفسه حين كان العامل الذي لا يستطيع فهم جملة واحدة بالفرنسية. كاد يبكي… ليس ضعفًا، بل امتنانًا. امتنان لتعبه، لصبره، لكل الليالي التي قضاها يدرس على ضوء مصباح صغير. المنزل الأول… ودموع الغربة بعد ثلاث سنوات، استطاع استئجار شقة صغيرة وحده. كانت شقة بسيطة، لكنها بالنسبة له كانت مثل قصر. في يوم انتقاله، حين دخل الشقة وحيدًا، أغلق الباب، جلس على الأرض، وبكى. كانت الدموع مزيجًا من: فرح تعب خوف انتصار ونجاة قال بصوت منخفض: “لقد صنعت شيئًا من لا شيء.” العودة إلى الوطن… ورؤية العالم بعيون جديدة بعد أربع سنوات في فرنسا، قرر زيارة بلده لأول مرة. حين رأى والدته عند باب البيت، سقط حضنًا في حضن، وبكى كما لم يبكِ من قبل. كان يحمل هدايا بسيطة، لكنه كان يحمل أهم منها: قصة… حياة… وشخصية جديدة. ورأى الناس في عينيه شيئًا مختلفًا. قوة… نضج… ثقافة… وتجربة لا يملكها الكثير. اليوم… عادل رجل آخر اليوم يعمل عادل في شركة كبيرة في باريس، يتحدث الفرنسية بطلاقة، يسكن في شقة جميلة، ويساعد أسرته بكرم. وفي كل يوم يمر، يتذكر تلك البدايات: اللغة الصعبة، النظرات، التعب، الشك، والخوف. لكنّه يقول دائمًا: “فرنسا لم تكن سهلة… لكنها كانت عادلة. أعطتني بقدر ما اجتهدت.” وفي كل مساء، يقف أمام نافذته المطلة على برج إيفل البعيد، ويبتسم. لأنه يعرف أنه لم ينجُ فقط… بل انتصر.
·168 Views ·0 Vista previa
Mogtarib https://mogtarib.com