رحلة شاب عربي في لندن، مدينة الفرص… والضياع أحيانًا
لم يكن “هيثم” يعرف أن تلك اللحظة التي أغلق فيها حقيبته وغادر منزله ستكون اللحظة التي يُغلق فيها فصلٌ كامل من حياته… ليفتح آخر جديد، مختلف تمامًا.
حين ودّع أمه أمام باب البيت، كانت عيناها تقولان أكثر مما تقول الكلمات:
“اذهب… لكن لا تنس نفسك.”
كان قلبه ينزف وهو يبتعد.
لكنه كان يعرف أنه إذا بقي… سيضيع.
كان يحتاج أن يتغير، وأن يبحث عن فرصة لا يستطيع أن يجدها في بلده.
وهكذا بدأت رحلته الطويلة نحو المملكة المتحدة…
نحو لندن تحديدًا، المدينة التي تُبهِر وتُتعب في الوقت نفسه.
هبوط في مدينة رمادية… وأحلام كثيرة ملونة
حين خرج هيثم من محطة قطار “Victoria Station”، أحسّ وكأنه خرج من العالم الذي يعرفه.
الهواء بارد، الناس يمشون بسرعة، المباني عالية، والسيارات لا تتوقف.
كانت لندن مدينة تتحرك بسرعة لا ترحم.
ومع ذلك…
كان يشعر أنها تقول له:
“إن كنت قويًا… ستجد مكانك هنا.”
استأجر غرفة صغيرة في ضاحية East London، غرفة بالكاد تتسع لسرير وخزانة وطاولة.
كان يعيش مع ثلاثة أشخاص من جنسيات مختلفة، وكنت تسمع في البيت أربع لغات في آن واحد.
لكن هذه التفاصيل كانت آخر همومه…
كان يفكر في شيء واحد فقط:
“كيف سأبدأ؟”
البداية: عمل بلا مستقبل… لكن بلا بديل
لم تكن أيامه الأولى سهلة.
قدّم طلبات عمل كثيرة، لكنه كان يتلقى نفس الجواب دائمًا:
“No experience… No job.”
إلى أن وجد عملاً في مطعم صغير للوجبات السريعة.
كان عمله بسيطًا: تنظيف الطاولات، قطع الخضار، وحمل الصناديق.
الرائحة القوية للزيت، صراخ الطباخين، تعب الوقوف لساعات طويلة…
كانت كلها تفاصيل تثقل روحه.
ذات يوم، بعد 10 ساعات عمل متواصلة، عاد إلى غرفته، وخلع حذاءه المتعب، وجلس على الأرض، وأغمض عينيه وقال:
“هل هذا يستحق؟
هل أنا في الطريق الصحيح؟”
لكن شيئًا ما بداخله كان يرفض الاستسلام.
اللغة… السلاح الذي لم يكن يملكه
أكبر مشاكله في العمل لم تكن التعب…
بل اللغة.
لم يكن يفهم نكات زملائه، ولا يستطيع الرد بسرعة، ولا يعرف كيف يحلّ مواقف العملاء.
وفي إحدى الليالي، حين أخطأ في طلبية لأحد الزبائن، صرخ عليه المدير أمام الجميع.
شعر هيثم بالإهانة، لكنّه ابتلع الألم.
في تلك الليلة، فتح دفترًا صغيرًا وكتب:
“تعلّم الإنجليزية… ولو بكلمة يوميًا.”
كانت تلك بداية التغيير.
دروس الليل… وحلم النهار
بدأ هيثم يدرس كل ليلة عبر يوتيوب ودورات مجانية.
كان يعمل من الصباح حتى المساء، ثم يعود ليجلس أمام هاتفه ويكرر الكلمات بصوت منخفض كي لا يوقظ زملاءه.
أيام كثيرة كان يشعر فيها أن عقله لا يتحمل شيئًا جديدًا…
لكنّه كان يجبر نفسه.
بعد أشهر، لاحظ أنه لم يعد يفهم الكلمات فقط…
بل أصبح يفهم الجمل…
ثم المحادثات…
ثم النكات الخفيفة.
ولأول مرة…
شعر أنه ينتمي قليلًا لهذا المكان.
الفرصة الأولى… تأتي حين تكون مستعدًا
في يوم من الأيام، جاء للمطعم مديرٌ لشركة تنظيف محترمة، يبحث عن عمال جدد.
سأل هيثم بعض الأسئلة بالإنجليزية، وفوجئ بإجابته المتقنة.
قال له:
“You speak well… Do you want a better job?”
“أنت تتحدث جيدًا، هل تريد عملاً أفضل؟”
كانت تلك الجملة كأنها رسالة من القدر.
وفي خلال أيام، بدأ هيثم العمل في شركة تنظيف المباني.
كان العمل شاقًا، لكنه أفضل بكثير من المطعم:
ساعات أقل، راتب أعلى، ومعاملة أكثر احترامًا.
حين تتغير نظرتك لذاتك… تتغير نظرة العالم لك
بعد شهور، بدأ هيثم يتعلم مهارات جديدة:
تنظيف النوافذ العالية، استخدام المعدات الحديثة، تنظيم الفريق…
وكان يعمل بجدّ لدرجة أن المشرف أثنى عليه علنًا.
ومع الوقت، بدأ يحصل على مهمات خاصة:
تنظيف مكاتب الشركات الكبرى، الفنادق الفاخرة، وحتى بعض البيوت الراقية.
كانت أول مرة يرى فيها لندن من الداخل…
من عالمها الحقيقي.
وفي أحد الأيام، بينما كان ينظف مكتبًا في الطابق العاشر، نظر من النافذة إلى المدينة الواسعة، وقال في نفسه:
“أنا أقترب… نعم، أقترب.”
الترقية التي لم يتوقعها
بعد سنتين، استدعاه مدير الشركة، وقال له:
“نريدك مشرفًا على فريق التنظيف في ثلاثة مبانٍ كبيرة.”
لم يصدق…
هو الذي بدأ بتنظيف الطاولات…
هو الذي كان يتلعثم بالإنجليزية…
هو الذي كان خائفًا من أي حوار…
أصبح اليوم مشرفًا.
ومع هذه الترقية، لم يتغير راتبه فقط…
بل تغيّرت نظرته لنفسه.
دورة تدريبية… وباب جديد
عرضت الشركة على هيثم الالتحاق بدورة متقدمة في إدارة المرافق.
كانت دورة صعبة، تحتاج دراسة وذكاء وفهم تقني.
لكنه قبل التحدي.
كان يستيقظ قبل الفجر ليدرس ساعات، ثم يذهب للعمل، ثم يعود ليكمل.
لكن في أعماقه… كان يشعر أن الطريق بدأ يتضح.
وبعد انتهاء الدورة، حصل على شهادة محترمة…
وأصبحت فرصته في الترقّي أكبر.
حين يختبرك القدر مرة أخرى
في أحد الأيام، حدثت مشكلة كبيرة في أحد المباني:
تعطل نظام النظافة الآلي، وكان هناك حدث رسمي مهم في اليوم التالي.
كان الجميع في حالة فوضى.
لكن هيثم تحرك بسرعة، نظم الفريق، استدعى الفنيين، وتابع العمل بنفسه حتى الثالثة فجراً.
وفي الصباح، بدا المبنى كأنه جديد.
استدعاه المدير العام وقال له:
“You saved the day… Thank you.”
“لقد أنقذتَ اليوم.”
ومنحه زيادة كبيرة وترقية جديدة.
المنزل الأول… ورائحة النجاح
بعد أربع سنوات في لندن، استطاع هيثم استئجار شقة صغيرة وحده.
كانت في منطقة هادئة، تطل على نهر صغير.
حين فتح الباب لأول مرة، ودخل، ووقف وحيدًا في الصالة الفارغة…
أحسّ بشيء يغمر صدره، شيء يشبه الفخر…
ويشبه البكاء أيضًا.
تذكر كل الأيام التي عاد فيها منهكًا…
كل الكلمات التي لم يكن يفهمها…
كل الليالي التي درس فيها…
كل الصفعات…
كل الانتصارات…
كل الدعوات التي أرسلها لأمه من بعيد.
ثم قال بصوت يشبه الهمس:
“لقد وصلت.”
اليوم… هيثم رجل جديد
اليوم يعمل هيثم كـ مشرف إداري في شركة ضخمة لإدارة المرافق في لندن.
يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يرتدي بدلة أنيقة، ويجلس في مكتب واسع.
أصبح يساعد أسرته في بلده، ويزورهم سنويًا، ويحمل معه كل مرة هدايا صغيرة…
لكنه يحمل شيئًا أكبر بكثير:
قصته.
قصته التي تثبت أن الطريق ليس سهلًا…
لكن النهاية تستحق.
وفي الليل، حين يقف أمام نافذته المطلة على جسر لندن، يرى انعكاس أضواء المدينة، ويبتسم.
لأن بريطانيا لم تمنحه النجاح فقط…
بل منحته نفسه.
لم يكن “هيثم” يعرف أن تلك اللحظة التي أغلق فيها حقيبته وغادر منزله ستكون اللحظة التي يُغلق فيها فصلٌ كامل من حياته… ليفتح آخر جديد، مختلف تمامًا.
حين ودّع أمه أمام باب البيت، كانت عيناها تقولان أكثر مما تقول الكلمات:
“اذهب… لكن لا تنس نفسك.”
كان قلبه ينزف وهو يبتعد.
لكنه كان يعرف أنه إذا بقي… سيضيع.
كان يحتاج أن يتغير، وأن يبحث عن فرصة لا يستطيع أن يجدها في بلده.
وهكذا بدأت رحلته الطويلة نحو المملكة المتحدة…
نحو لندن تحديدًا، المدينة التي تُبهِر وتُتعب في الوقت نفسه.
هبوط في مدينة رمادية… وأحلام كثيرة ملونة
حين خرج هيثم من محطة قطار “Victoria Station”، أحسّ وكأنه خرج من العالم الذي يعرفه.
الهواء بارد، الناس يمشون بسرعة، المباني عالية، والسيارات لا تتوقف.
كانت لندن مدينة تتحرك بسرعة لا ترحم.
ومع ذلك…
كان يشعر أنها تقول له:
“إن كنت قويًا… ستجد مكانك هنا.”
استأجر غرفة صغيرة في ضاحية East London، غرفة بالكاد تتسع لسرير وخزانة وطاولة.
كان يعيش مع ثلاثة أشخاص من جنسيات مختلفة، وكنت تسمع في البيت أربع لغات في آن واحد.
لكن هذه التفاصيل كانت آخر همومه…
كان يفكر في شيء واحد فقط:
“كيف سأبدأ؟”
البداية: عمل بلا مستقبل… لكن بلا بديل
لم تكن أيامه الأولى سهلة.
قدّم طلبات عمل كثيرة، لكنه كان يتلقى نفس الجواب دائمًا:
“No experience… No job.”
إلى أن وجد عملاً في مطعم صغير للوجبات السريعة.
كان عمله بسيطًا: تنظيف الطاولات، قطع الخضار، وحمل الصناديق.
الرائحة القوية للزيت، صراخ الطباخين، تعب الوقوف لساعات طويلة…
كانت كلها تفاصيل تثقل روحه.
ذات يوم، بعد 10 ساعات عمل متواصلة، عاد إلى غرفته، وخلع حذاءه المتعب، وجلس على الأرض، وأغمض عينيه وقال:
“هل هذا يستحق؟
هل أنا في الطريق الصحيح؟”
لكن شيئًا ما بداخله كان يرفض الاستسلام.
اللغة… السلاح الذي لم يكن يملكه
أكبر مشاكله في العمل لم تكن التعب…
بل اللغة.
لم يكن يفهم نكات زملائه، ولا يستطيع الرد بسرعة، ولا يعرف كيف يحلّ مواقف العملاء.
وفي إحدى الليالي، حين أخطأ في طلبية لأحد الزبائن، صرخ عليه المدير أمام الجميع.
شعر هيثم بالإهانة، لكنّه ابتلع الألم.
في تلك الليلة، فتح دفترًا صغيرًا وكتب:
“تعلّم الإنجليزية… ولو بكلمة يوميًا.”
كانت تلك بداية التغيير.
دروس الليل… وحلم النهار
بدأ هيثم يدرس كل ليلة عبر يوتيوب ودورات مجانية.
كان يعمل من الصباح حتى المساء، ثم يعود ليجلس أمام هاتفه ويكرر الكلمات بصوت منخفض كي لا يوقظ زملاءه.
أيام كثيرة كان يشعر فيها أن عقله لا يتحمل شيئًا جديدًا…
لكنّه كان يجبر نفسه.
بعد أشهر، لاحظ أنه لم يعد يفهم الكلمات فقط…
بل أصبح يفهم الجمل…
ثم المحادثات…
ثم النكات الخفيفة.
ولأول مرة…
شعر أنه ينتمي قليلًا لهذا المكان.
الفرصة الأولى… تأتي حين تكون مستعدًا
في يوم من الأيام، جاء للمطعم مديرٌ لشركة تنظيف محترمة، يبحث عن عمال جدد.
سأل هيثم بعض الأسئلة بالإنجليزية، وفوجئ بإجابته المتقنة.
قال له:
“You speak well… Do you want a better job?”
“أنت تتحدث جيدًا، هل تريد عملاً أفضل؟”
كانت تلك الجملة كأنها رسالة من القدر.
وفي خلال أيام، بدأ هيثم العمل في شركة تنظيف المباني.
كان العمل شاقًا، لكنه أفضل بكثير من المطعم:
ساعات أقل، راتب أعلى، ومعاملة أكثر احترامًا.
حين تتغير نظرتك لذاتك… تتغير نظرة العالم لك
بعد شهور، بدأ هيثم يتعلم مهارات جديدة:
تنظيف النوافذ العالية، استخدام المعدات الحديثة، تنظيم الفريق…
وكان يعمل بجدّ لدرجة أن المشرف أثنى عليه علنًا.
ومع الوقت، بدأ يحصل على مهمات خاصة:
تنظيف مكاتب الشركات الكبرى، الفنادق الفاخرة، وحتى بعض البيوت الراقية.
كانت أول مرة يرى فيها لندن من الداخل…
من عالمها الحقيقي.
وفي أحد الأيام، بينما كان ينظف مكتبًا في الطابق العاشر، نظر من النافذة إلى المدينة الواسعة، وقال في نفسه:
“أنا أقترب… نعم، أقترب.”
الترقية التي لم يتوقعها
بعد سنتين، استدعاه مدير الشركة، وقال له:
“نريدك مشرفًا على فريق التنظيف في ثلاثة مبانٍ كبيرة.”
لم يصدق…
هو الذي بدأ بتنظيف الطاولات…
هو الذي كان يتلعثم بالإنجليزية…
هو الذي كان خائفًا من أي حوار…
أصبح اليوم مشرفًا.
ومع هذه الترقية، لم يتغير راتبه فقط…
بل تغيّرت نظرته لنفسه.
دورة تدريبية… وباب جديد
عرضت الشركة على هيثم الالتحاق بدورة متقدمة في إدارة المرافق.
كانت دورة صعبة، تحتاج دراسة وذكاء وفهم تقني.
لكنه قبل التحدي.
كان يستيقظ قبل الفجر ليدرس ساعات، ثم يذهب للعمل، ثم يعود ليكمل.
لكن في أعماقه… كان يشعر أن الطريق بدأ يتضح.
وبعد انتهاء الدورة، حصل على شهادة محترمة…
وأصبحت فرصته في الترقّي أكبر.
حين يختبرك القدر مرة أخرى
في أحد الأيام، حدثت مشكلة كبيرة في أحد المباني:
تعطل نظام النظافة الآلي، وكان هناك حدث رسمي مهم في اليوم التالي.
كان الجميع في حالة فوضى.
لكن هيثم تحرك بسرعة، نظم الفريق، استدعى الفنيين، وتابع العمل بنفسه حتى الثالثة فجراً.
وفي الصباح، بدا المبنى كأنه جديد.
استدعاه المدير العام وقال له:
“You saved the day… Thank you.”
“لقد أنقذتَ اليوم.”
ومنحه زيادة كبيرة وترقية جديدة.
المنزل الأول… ورائحة النجاح
بعد أربع سنوات في لندن، استطاع هيثم استئجار شقة صغيرة وحده.
كانت في منطقة هادئة، تطل على نهر صغير.
حين فتح الباب لأول مرة، ودخل، ووقف وحيدًا في الصالة الفارغة…
أحسّ بشيء يغمر صدره، شيء يشبه الفخر…
ويشبه البكاء أيضًا.
تذكر كل الأيام التي عاد فيها منهكًا…
كل الكلمات التي لم يكن يفهمها…
كل الليالي التي درس فيها…
كل الصفعات…
كل الانتصارات…
كل الدعوات التي أرسلها لأمه من بعيد.
ثم قال بصوت يشبه الهمس:
“لقد وصلت.”
اليوم… هيثم رجل جديد
اليوم يعمل هيثم كـ مشرف إداري في شركة ضخمة لإدارة المرافق في لندن.
يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يرتدي بدلة أنيقة، ويجلس في مكتب واسع.
أصبح يساعد أسرته في بلده، ويزورهم سنويًا، ويحمل معه كل مرة هدايا صغيرة…
لكنه يحمل شيئًا أكبر بكثير:
قصته.
قصته التي تثبت أن الطريق ليس سهلًا…
لكن النهاية تستحق.
وفي الليل، حين يقف أمام نافذته المطلة على جسر لندن، يرى انعكاس أضواء المدينة، ويبتسم.
لأن بريطانيا لم تمنحه النجاح فقط…
بل منحته نفسه.
رحلة شاب عربي في لندن، مدينة الفرص… والضياع أحيانًا
لم يكن “هيثم” يعرف أن تلك اللحظة التي أغلق فيها حقيبته وغادر منزله ستكون اللحظة التي يُغلق فيها فصلٌ كامل من حياته… ليفتح آخر جديد، مختلف تمامًا.
حين ودّع أمه أمام باب البيت، كانت عيناها تقولان أكثر مما تقول الكلمات:
“اذهب… لكن لا تنس نفسك.”
كان قلبه ينزف وهو يبتعد.
لكنه كان يعرف أنه إذا بقي… سيضيع.
كان يحتاج أن يتغير، وأن يبحث عن فرصة لا يستطيع أن يجدها في بلده.
وهكذا بدأت رحلته الطويلة نحو المملكة المتحدة…
نحو لندن تحديدًا، المدينة التي تُبهِر وتُتعب في الوقت نفسه.
هبوط في مدينة رمادية… وأحلام كثيرة ملونة
حين خرج هيثم من محطة قطار “Victoria Station”، أحسّ وكأنه خرج من العالم الذي يعرفه.
الهواء بارد، الناس يمشون بسرعة، المباني عالية، والسيارات لا تتوقف.
كانت لندن مدينة تتحرك بسرعة لا ترحم.
ومع ذلك…
كان يشعر أنها تقول له:
“إن كنت قويًا… ستجد مكانك هنا.”
استأجر غرفة صغيرة في ضاحية East London، غرفة بالكاد تتسع لسرير وخزانة وطاولة.
كان يعيش مع ثلاثة أشخاص من جنسيات مختلفة، وكنت تسمع في البيت أربع لغات في آن واحد.
لكن هذه التفاصيل كانت آخر همومه…
كان يفكر في شيء واحد فقط:
“كيف سأبدأ؟”
البداية: عمل بلا مستقبل… لكن بلا بديل
لم تكن أيامه الأولى سهلة.
قدّم طلبات عمل كثيرة، لكنه كان يتلقى نفس الجواب دائمًا:
“No experience… No job.”
إلى أن وجد عملاً في مطعم صغير للوجبات السريعة.
كان عمله بسيطًا: تنظيف الطاولات، قطع الخضار، وحمل الصناديق.
الرائحة القوية للزيت، صراخ الطباخين، تعب الوقوف لساعات طويلة…
كانت كلها تفاصيل تثقل روحه.
ذات يوم، بعد 10 ساعات عمل متواصلة، عاد إلى غرفته، وخلع حذاءه المتعب، وجلس على الأرض، وأغمض عينيه وقال:
“هل هذا يستحق؟
هل أنا في الطريق الصحيح؟”
لكن شيئًا ما بداخله كان يرفض الاستسلام.
اللغة… السلاح الذي لم يكن يملكه
أكبر مشاكله في العمل لم تكن التعب…
بل اللغة.
لم يكن يفهم نكات زملائه، ولا يستطيع الرد بسرعة، ولا يعرف كيف يحلّ مواقف العملاء.
وفي إحدى الليالي، حين أخطأ في طلبية لأحد الزبائن، صرخ عليه المدير أمام الجميع.
شعر هيثم بالإهانة، لكنّه ابتلع الألم.
في تلك الليلة، فتح دفترًا صغيرًا وكتب:
“تعلّم الإنجليزية… ولو بكلمة يوميًا.”
كانت تلك بداية التغيير.
دروس الليل… وحلم النهار
بدأ هيثم يدرس كل ليلة عبر يوتيوب ودورات مجانية.
كان يعمل من الصباح حتى المساء، ثم يعود ليجلس أمام هاتفه ويكرر الكلمات بصوت منخفض كي لا يوقظ زملاءه.
أيام كثيرة كان يشعر فيها أن عقله لا يتحمل شيئًا جديدًا…
لكنّه كان يجبر نفسه.
بعد أشهر، لاحظ أنه لم يعد يفهم الكلمات فقط…
بل أصبح يفهم الجمل…
ثم المحادثات…
ثم النكات الخفيفة.
ولأول مرة…
شعر أنه ينتمي قليلًا لهذا المكان.
الفرصة الأولى… تأتي حين تكون مستعدًا
في يوم من الأيام، جاء للمطعم مديرٌ لشركة تنظيف محترمة، يبحث عن عمال جدد.
سأل هيثم بعض الأسئلة بالإنجليزية، وفوجئ بإجابته المتقنة.
قال له:
“You speak well… Do you want a better job?”
“أنت تتحدث جيدًا، هل تريد عملاً أفضل؟”
كانت تلك الجملة كأنها رسالة من القدر.
وفي خلال أيام، بدأ هيثم العمل في شركة تنظيف المباني.
كان العمل شاقًا، لكنه أفضل بكثير من المطعم:
ساعات أقل، راتب أعلى، ومعاملة أكثر احترامًا.
حين تتغير نظرتك لذاتك… تتغير نظرة العالم لك
بعد شهور، بدأ هيثم يتعلم مهارات جديدة:
تنظيف النوافذ العالية، استخدام المعدات الحديثة، تنظيم الفريق…
وكان يعمل بجدّ لدرجة أن المشرف أثنى عليه علنًا.
ومع الوقت، بدأ يحصل على مهمات خاصة:
تنظيف مكاتب الشركات الكبرى، الفنادق الفاخرة، وحتى بعض البيوت الراقية.
كانت أول مرة يرى فيها لندن من الداخل…
من عالمها الحقيقي.
وفي أحد الأيام، بينما كان ينظف مكتبًا في الطابق العاشر، نظر من النافذة إلى المدينة الواسعة، وقال في نفسه:
“أنا أقترب… نعم، أقترب.”
الترقية التي لم يتوقعها
بعد سنتين، استدعاه مدير الشركة، وقال له:
“نريدك مشرفًا على فريق التنظيف في ثلاثة مبانٍ كبيرة.”
لم يصدق…
هو الذي بدأ بتنظيف الطاولات…
هو الذي كان يتلعثم بالإنجليزية…
هو الذي كان خائفًا من أي حوار…
أصبح اليوم مشرفًا.
ومع هذه الترقية، لم يتغير راتبه فقط…
بل تغيّرت نظرته لنفسه.
دورة تدريبية… وباب جديد
عرضت الشركة على هيثم الالتحاق بدورة متقدمة في إدارة المرافق.
كانت دورة صعبة، تحتاج دراسة وذكاء وفهم تقني.
لكنه قبل التحدي.
كان يستيقظ قبل الفجر ليدرس ساعات، ثم يذهب للعمل، ثم يعود ليكمل.
لكن في أعماقه… كان يشعر أن الطريق بدأ يتضح.
وبعد انتهاء الدورة، حصل على شهادة محترمة…
وأصبحت فرصته في الترقّي أكبر.
حين يختبرك القدر مرة أخرى
في أحد الأيام، حدثت مشكلة كبيرة في أحد المباني:
تعطل نظام النظافة الآلي، وكان هناك حدث رسمي مهم في اليوم التالي.
كان الجميع في حالة فوضى.
لكن هيثم تحرك بسرعة، نظم الفريق، استدعى الفنيين، وتابع العمل بنفسه حتى الثالثة فجراً.
وفي الصباح، بدا المبنى كأنه جديد.
استدعاه المدير العام وقال له:
“You saved the day… Thank you.”
“لقد أنقذتَ اليوم.”
ومنحه زيادة كبيرة وترقية جديدة.
المنزل الأول… ورائحة النجاح
بعد أربع سنوات في لندن، استطاع هيثم استئجار شقة صغيرة وحده.
كانت في منطقة هادئة، تطل على نهر صغير.
حين فتح الباب لأول مرة، ودخل، ووقف وحيدًا في الصالة الفارغة…
أحسّ بشيء يغمر صدره، شيء يشبه الفخر…
ويشبه البكاء أيضًا.
تذكر كل الأيام التي عاد فيها منهكًا…
كل الكلمات التي لم يكن يفهمها…
كل الليالي التي درس فيها…
كل الصفعات…
كل الانتصارات…
كل الدعوات التي أرسلها لأمه من بعيد.
ثم قال بصوت يشبه الهمس:
“لقد وصلت.”
اليوم… هيثم رجل جديد
اليوم يعمل هيثم كـ مشرف إداري في شركة ضخمة لإدارة المرافق في لندن.
يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يرتدي بدلة أنيقة، ويجلس في مكتب واسع.
أصبح يساعد أسرته في بلده، ويزورهم سنويًا، ويحمل معه كل مرة هدايا صغيرة…
لكنه يحمل شيئًا أكبر بكثير:
قصته.
قصته التي تثبت أن الطريق ليس سهلًا…
لكن النهاية تستحق.
وفي الليل، حين يقف أمام نافذته المطلة على جسر لندن، يرى انعكاس أضواء المدينة، ويبتسم.
لأن بريطانيا لم تمنحه النجاح فقط…
بل منحته نفسه.
1 Comments
·152 Views
·0 Reviews